طبـاعة


حفـظ


ارسال
  السبت 21 ذو القعدة 1428 هـ ، 01 ديسمبر 2007 م
التنافس الشريف أم التعاون

التنافس الشريف أم التعاون

لا يستطيع أحد من البشر أن يعيش بدون الآخرين، ولا أن ينجز بدونهم. بهذه المسلمات يمكن أن يقال بأن التعاون حتمي لإعمار الكون، وأنه هو الأساس لوجود البشر الذين جعلهم الله شعوباً وقبائل وقال: (لتعارفوا). ومن خلال هذه الآية، وآية (وتعاونوا على البر) يتضح أن التعاون ليس غريزة في البشر، ولذلك أمر الله به، ويحتاج تطبيقه إلى تربية وتعليم وتدريب، بينما حب الذات الذي ينتج التنافس والصراع غريزة بشرية في كل أحد وتحتاج إلى تحجيم وضبط وتنظيم، ومن ذلك قوله (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) أي: وليس في غيره.

وبناء على ذلك ينتظر من كل من يحرص على نفسه وعلى من هو مسؤول عنهم أن يستوعب هذه الحقيقة و يحقق متطلباتها. فمن المهم أن يعمل الأفراد والمربون على أساس أن نجاح الإنسان في تحقيقه لأهدافه مرهون بتعاونه مع الآخرين، وأن العمل الجماعي يحقق أضعاف نتائج العمل المنفرد. أما العمل التنافسي فيخلق عقلية صراعية تفكر في ذاتها فقط وإنجازاتها الخاصة، ولو على حساب المصلحة الجماعية، ولا يمكن أن تخلق تلك العقلية مجتمعاً منتجاً، بل وتحبط – وهي لا تشعر - المحاولات لخلق بيئة صالحة لصنع مجتمع متكاتف.

وللأسف فسيطرة العقلية التنافسية ظاهرة منتشرة في المجتمع. راقب أي متناقشين اثنين أو أكثر في المجالس، في الصحف ، في الأسواق والمنتديات، ستجد اتصاف اللغة المستخدمة بألفاظ القمع والإقصاء وإلغاء الآخر تماماً ؛ لأننا عشنا وتربينا على صنع العقلية الفردية والعمل الفردي، الأب يقول: (انتبه لا يغلبونك)، والصديق والمناصر يشحنك: (فتح عيونك لا يخدعوننا)، والمعلم يقيم نشاطاته في الصف على التنافس ويكرر:(محمد أجود منك اجتهد وتكون أفضل منه)، ويسمي هذا "التنافس الشريف".

التربية التنافسية التي نمارسها جاءت – على ما يبدو – مجرد استجابة لغريزتنا البشرية التنافسية، ولذلك فلا يصح أن تكون هدفاً تربوياً تتربى عليه الأجيال. ويمكن أن يقال إن كلمة "شريف" التي نرددها هي تزييف للواقع وتسطيح له، واخترعت – لا شعورياً - تحسيناً لتراكمات العقل الباطن الاجتماعي والفردي المشحون بالخلفيات الصحراوية المؤسسة على الصراع.

نتائج التربية والتعليم (في المدرسة والبيت) على ما يسمى "التنافس الشريف"، تظهر لنا بقوة في التفكير في الذات فقط، وعدم الاكتراث للمصلحة العامة، تظهر في كيفية تخلص الناس من ازدحام السيارات، وفي مراجعاتهم للدوائر الحكومية، وفي سيطرة العقلية التآمرية على بعض الكتاب والمتحدثين.... وتأمل كيف ستكون حياة زوجين يتنافسان أو يتعاونان، ومجتمع يتنافس أفراده أو يتعاونون، وصديقين يتنافسان أو يتعاونان !!.

ومع هذا كله فلا أحد يستطيع أن يلغي التنافس من حياة الناس ولا من نفوسهم، ولكن أن يتم بناء شخصية الفرد – من خلال مناهج التعليم والتربية المنزلية والاجتماعية – على التنافس وجعله هو الأساس للإنجاز وتحقيق النجاح فهذه هي المشكلة.

إن للتنافس مراحل ودرجات وقد يبدو في بداياته مقبولا كجزء من النفس البشرية. أما في المراحل المتقدمة من العمل أو في حالات الشدة والحاجة يصبح التنافس مرضاً يجب التخلص منه. ولمحاولة السيطرة على غريزة التنافس طرح آدم براند نظرية التعاون التنافسي وسمى النظرية الجديدة (التعافس) بعد دمج الكلمتين، وقد وضع تقنيات لتطبيقها وبعض المعايير والضوابط لها ، وخلاصتها أنه لا يفيد من التنافس إلا ما كان منطلقا من التعاون ومحكوما بقواعده وأدبياته وأطره العامة وإلا أصبح معول هدم للفرد أو المجتمع على المدى البعيد.

ولذلك لابد أن يتأسس المجتمع - في مناهج التعليم والخطاب الإعلامي للمجتمع- على أن المنقذ الوحيد هو التعاون، وأن نكون حذرين من أن نختطف من قبل غرائزنا الصراعية.

التنشئة على التنافس تخلق قناعات راسخة في الشخص أنه لا يمكن أن ينجح إلا إذا حرص وفرح بإخفاقات أو ضعف إنتاج الآخرين، ولا يطرح على نفسه أنه يمكن أن يحقق إنجازا بالاشتراك الآخرين تعود منفعته للطرفين. والعمل الانفرادي نجاحه محدود، وهو أقل سوءا من التنافس الذي قد يبدو مقبولا ثم لا تحمد عقباه. التنافس منهجية سلبية في التعامل مع الآخرين بينما العمل الانفرادي مجرد ترك للآخرين.

أما وجود التعاون كظاهرة في المجتمع بين أفراده فهو يدل دلالة قوية على درجة عالية من النضج والوعي. وحينما وضع ستيفن كوفي نظرية العادات السبع جعلها مبنية على ثلاثة محاور: (الاعتماد على الآخرين، ثم الاعتماد على الذات، ثم التعاضد مع الآخرين) وتحدث في المحور الأخير عن التكاتف والنصر الجماعي والتفكير في منفعة الجميع.

إننا في هذه الفترة بالذات أحوج ما نكون لترسيخ قيم التعاون في نفوس الناشئة من خلال التعليم والممارسة التطبيقية.


1
  Liliam - ZyKrezQFkCHST
2
  Ival - QanoXEDharUReCRo
لإضافة تعليق جديد الرجاء ملء النموذج التالي

الاسم
البريد الإلكتروني
المدينة
التعليق
رجاء ادخل الأرقام أو الحروف
الظاهرة في الصورة

السيرة الذاتية | مقالات | أكاديميات | استشارات | مناقشات | مع الإعلام
جميع الحقوق محفوظة لموقع © 2014